الانحسار القادم

بدأ ما يعرف باللغة البيضاء كمصطلح تعبيري عن اللهجات الشعبية المدرجة في الإعلانات والمحتوى الرقمي،وتزامنت شدة رواجها مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي،والتي بدورها أعادت الجماهير للانكفاء على ذاتها ومجتمعها المحلي وعاداتها في الكلام واستخدام الأمثال والتعبير الشعبي عن كل منتج وخدمة يراد الإعلان عنها.

لقد خفتت هالة التلفزيون وقنواته الفضائية التي تخاطب جماهير واسعة على رقعة جغرافية ممتدة ومتنوعة من اللغات،إذ كانت تخاطبهم بلغة مفهومة بسيطة لكنها مشتركة مع الجميع،وما أصبح عليه الحال الآن هو أن الإعلان يصمم في لغته ليكون مستهدفاً لمدينة أو محافظة معينة داخل البلد الواحد ويتم استدعاء لكنة الكلام للجمهور المستهدف “كالسأسأة” وهي قلب الكاف سيناً أو جيماً،وغيرها من الأمثلة” ومن ثم لايمكن لمثل هذا الإعلان النمطي الخالص أن يشيع بين باقي المدن،وبرغم تحقيقه لأهدافه التسويقية والبيعية ودعم البراند بحضور قوي داخل المنطقة المستهدفة إلا أن اللغة البيضاء يمكن أن نشبهها بالفاكهة الصيفية أو بزهور الشتاء التي لاتعمر طويلاً،وفي الأفق تلوح بوادر الانحسار القادم للغة البيضاء لأسباب عديدة منها:

  1. ضحالة المرادفات وقلتها وبالتالي صعوبة في توليد خطاب إعلاني بنفس المرادفات،ويمكنه الصمود لسنوات عديدة.
  2. خلل في قدرة اللغة البيضاء على الاحتفاظ بالتأثير الجماهيري، فهي غير قابلة للتكرار على المدى القصير.
  3. محدودية الجمهور: حتى الجمهور المستهدف في منطقه معينة لايتفاعل بكامل أفراده مع اللغة البيضاء، نظراً لتنوع العادات واللهجات والأعراق.
  4. البُعد الإثني أو العنصري الذي قد يعود على البراند المعلِن بسلبيات تفقده حصة من مبيعاته عند استخدامه للغة بيضاء مخصصة لجمهور معين وإهمال بقية الجمهور.
  5. غياب مصادرها:اعتماد اللغة على الإرث اللغوي المناطقي والمؤلفات في مثل هذا الفن قليلة وفي بعض المناطق تكون شبه معدومة.
  6. غياب البعدين الأدبي والبلاغي وهما ضروريان لتقديم مستوى لائق للبراند وانطباع راقي تجاهه.

هل نعود للغة العربية الفصحى؟

الأمر يتطلب قدراً من هذا ونزراً من ذاك، أي أن اللغة الإعلانية يجب أن تكون محتفظة بمفرداتها العربية السهلة مع الاحتفاظ ببعض خصائص اللغة البيضاء وهي البساطة والعفوية، وكما أن غرائب اللغة العربية الفصحى ينفر منها الجميع بما فيهم بلغاء العرب فكذلك غير مقبول استدعاء لغة بيضاء مغرقة في الشعبية الدارجة “السوقية”.

وكما قيل في الأدب الشعري:

 عليك بأوساط الأمور فإنّها … طريق إلى نهج الصّواب قويم

ولا تك فيها مفرطا أو مفرّطا … كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ومن الجيد النصح للقطاعات الرسمية في البلاد،بتعزيز الإثراء اللغوي في إعلاناتها،بدلاً من النزول لمستوى متدني وغير لائق بها في مخاطبة الجمهور،حتى أصبحت بعض الإعلانات أشبه بحديث الشوارع الذي يترفع الشخص الواعي المتعلم عن سماعها.

أما اللغة البيضاء فهي هبة شعبية ستؤرخ لحقبة إعلانية معينة وستمضي،وهي الانحسار القادم كونها غير قادرة على الحياة لفترات أطول،ومن الجميل التذكير لكتاب المحتوى وصانعيه أن لا يراهنوا عليها ولا يستميتوا في تمجيدها. وهنا سؤال (ماهي البدائل؟).

ماجد العولقي

11أبريل2021 /29-08-1442

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: