تاكسي اسكندرية

سافرت إلى الإسكندرية خلال فترة انتخابات شغلت البلد والناس وكان الداعي للسفر مسألة مالية ما زال صاحبها يماطل في إنفاذ متطلباتها والتهرب من مسؤولياتها حتى ألزمني السفر إليه في الاسكندرية وما إن وصلت مطار برج العرب وردتني رسالة من زميلي في السعودية تفيد بأن الرجل المعني قد سافر من الاسكندرية برفقة عائلته إلى مصيف يسمى مرسى مطروح على الحدود مع ليبيا ويتميز مرسى مطروح بصفاء البحر و أنه يجمع بين روح القرية الهادئة بنسيمها العليل وشواطئها الممتدة، تجمع ذلك مع حركة سياحية واقتصادية تلبي رغبات المصطافين.

اتجهنا مباشرة من المطار إلى الطريق السريع إلى مرسى مطروح برفقة سائق تاكسي و بالرغم من أن الطريق كانت قريبا من اربعمائة كيلو متر وسيارته بدون مكيف مع انه اخبرني في وقت سابق -قبل وصولي- بأنها من أحدث الموديلات ثم وجدت عكس ذلك وتذكرت المذيع المصري حين صرخ في الشاشة “لاتصدقوا المصريين” … عندها بلعت ريقي وكتمت امتعاضي فمن الخير أن أبقي على حبل الرضا في أرض الكنانة، ولكن ما لفت انتباهي في هذه الرحلة أشياء كثيرة و غريبة كان أبرزها أنني رأيت في سيارة سائق التاكس في الغمارة الخلفية ،صفحتان من جريدتين مختلفتين محتوى الجريدة الأولى يناصر ويؤيد الرئيس الحالي الذي تخوض البلاد معركة تظاهرات سلمية لازاحته ومحتوى الجريدة الآخر يؤيد ويعزز الرئيس المحتمل القادم وله سواد عريض يهتف باسمه في تظاهرات لها زخم متزايد.

الغريب في الأمر أن سائق التاكسي يعرف تماما أن القرية أو الكفر الذي سوف نمر عليه مؤيد للرئيس الحالي وقبل أن يصل إلى التظاهرة التي احتشد اتباعها وقطعوا الطريق السريع يخرج سائق التاكسي يده من النافذة ويهتف باسم الرئيس الحالي وأنا أنظر فيه حتى قلت هذا الرجل سوف يفدي رئيسه بروحه ثم يخرج الجريدة ويلوح بها في الهواء فما هي إلا لحظات حتى يسمع هتافات الاعجاب:

( ربنا يكرمك ، انتا يبني راجل شريف )

ثم ينزاح الحشد مخلياً بيننا وبين الطريق السريع فنمضي، وبعد أقل من 100 كيلو يفعل نفس الفعله لكن يهتف للرئيس المحتمل ترشحه للرئاسة ويخرج الجريدة التي فيها صورته فترتفع الهتافات لسائق التاكسي وتنزاح غيمة الجماهير فيضغط دواسة البنزين تاركا الجموع في غيمة غبارعجلاته، ويصرخ:

( ربنا يريحنا منكم!!! )

.في الطريق بين البر والبحر و على تلة عالية يرتفع النصب التذكاري لضحايا الحرب العالمية الثانية من الجنود الألمان في معركة العلمين وعلى الجانب الآخر من الطريق  أسوار عالية كتب عليها مقبرة الحرب العالمية الثانية من جنود دول الكومنولث و الإيطاليين، الشريط الساحلي للبحر المتوسط كانت زرقته وامواجه هي نافذتي الكبيرة التي اتنفس إليها هروباً من التفكير في طول الطريق والتعب، كانت تلوح بين الأمواج خيالات وأطياف وأشباح تلك الزوارق المهترئة المكتظة بالمهاجرين،، إن إيطاليا و مالطا واليونان على مرمى نظري، وتذكرت وقتها قصيدة نزار قباني وهو يشتاق مايا ويستغرق في وصفها فيقول:

إن مراكبي داخت
وبين الطحلب البحري والمرجان
تنفتح احتمالات كثيرة
ماذا اعتراني ؟

قريباً من الغروب وصلنا مشارف مرسى مطروح وكان الوضع الأمني أسوأ من كل ما سبق فالطيران العمودي يهيمن على السماء ويبث الرعب في القلوب و سائق التاكسي هذه المره كشف عن وجهه الحقيقي ربما أو أنه يمارس دوراً مخابراتياً فكان يمر على جلسات المصريين ويشحذ هممهم للتظاهر لصالح الرئيس القادم لكنه اصطدم بدهاء أكثر فقد كان أغلب مرتادي الجلسات على الأرصفة يردون عليه ببرود شديد وحاجب منعقد بنوع من الاستهجان ويقولون: نحن ليبيين!!! ، ربما تعبيراً عن عدم رغبتهم الخوض في دعم أي من الرجُلين.

وصلت إلى العمارة التي يسكن فيها صاحبنا وحاسبت سائق التاكسي ثم قلت:

يا ابراهيم انت ليش عند كل قرية تدخلها مؤيد وتخرج منها معارض

و أناس ترفع لهم صورة الرئيس القائم و غيرهم وعلى مقربةٍ منهم ترفع لهم جريدة الرئيس القادم

فقاطعني وهو يمسح العرق عن جبينه وقال:

على فكرة ، في العودة إلى الاسكندرية سوف احتفظ بجريدة واحدة فقط ” فقلت لماذا ؟ قال لأن الطريق بعد المغرب ينقلب إلى نقاط أمنية تابعة للدولة و أنا عايز أعيش وهذا اسمه نفاق أبيض في سبيل الوطن ولقمة العيش .

ركب سيارته و أشار بيده بسلام الوداع و أنا أنظر إلى هذه السيارة البسيطة والمعقدة في نفس الوقت وأتساءل في نفسي

كيف سأستطيع الرجوع إلى الاسكندرية مع تاكسي ليس به كل هذه المواصفات والدهاء.

انتهى. – بقلم:ماجد العولقي

***

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: