هذا الوقت سيمضي

أخذت نفسي و العائلة بمافيهم والداي واخواني واخواتي و خرجنا في عمق الصحراء تحت غيمة كبيرة رمادية رافقتنا منذ اول الطريق الى حط الرحال ،،

وصلت الى الارض الجرداء والرمال موزّعة تلات صغيرة هنا وهناك و نسمات باردة تباغتنا ضمن فضاء واسع ومددت بساطي على تلك الاحجار الصغيرة المغروزة في الرمل ،، 

هذه المرة وجدت في كل ماحولي لكنة غامضة 

خيمة البدوي و الابل واكوام الاطارات الملقاة في ناحية ،، المطر الذي يعِد بالهطول قريبا ولم يفعل ،، وصوت الصخب للعابرين من حولنا يقطع الصمت بين حين واخر 

هذا المكان حيث انا متاهة كبيرة مثيرة ،، و أجد في داخلي شيء ما يتقلب في صدري يريد ان يتحرر  لا ادري الطريق الى فوران الصدر هل يمر عبر العقل او يجد مسربه عبر غوغاء النفس ،، كنت ابحث عن دالة الطريق،و الى فهم العمق الواصل بين جوهر الحقيقة ،،بين حق الاحتكام الى الجسد  وأزلية الاتصال بالروح 

طرقت بخطواتي نحو خيمة البدوي ،، بيتان من الشَّعر الاسود المموه بخط ابيض في منتصفهما وغير بعيد قابلتني الابل في حظيرة واسعة ،، هذه الابل كأني اراها لاول مرة في حياتي ،،، عظمة الخِلقة وجمال المطلع و سمو النفس ،، الجمل أصبر الموجودات وصاحب الذاكرة ،، يحقد فيبقى حقده معه لسنين،، الجمل ابعد الكائنات سفرا و أكثرها صمتاً وترى فيه ملامح تلك النفس البشرية المسكونة بالمتضادات وفاء و حقدا و صبرا وجمالا وعزلة ومعاشرة .. شئ في نفسي كان يضارع هذا المشهد ،،هذه الابل بحالتها الماثلة أمامي هي متاهة جديدة اضافت نفسها لي كأحجارٍ الشطرنج السابقة من المطر الموعود الى البساط الذي تعبث به النسمات ،، يا إلهي ما دخل هذه الاشياء كلها لتجتمع في معادلة صعبة يجب علي تفكيكها لأحصل على اجابات لمافي صدري ،، هذا الضجيج في صدري يمتد لعشرينات خلت من عمري،، ضجيج متبعثر و اصداءه تتحدث لغة لا افهمها ولذا انا لا املك الخارطة و لا ارى الطريق ،، الطريق الواصل بين حق الاحتكام الى الجسد وأزلية الاتصال بالروح ،، ابحث عن مفاتيح الطريق السالك بين جدلية الدوام القسري للحضارة الصاخبة وبين  حتمية الاندثار لكل المشهودات …. 

قلت لنفسي ان تنظر للسماء لكن الغيوم قد لبدت كل أرجائها،، هواء بارد و ضحكات الأطفال و هدير الجمال أسمعه و أراه وانا اخذ طريقا جديدا ضيقا بين تلتين صغيرتين ،، أسير بين التلتين وكأنهما بابين عظيمين يفتتحان لي سرا بداخلهما . يتجلى سبيل واهن وموحش بين تلك التلتين حتى وافيت على بقيةٍ من عظام!.. الظهر الفقرات والساقين العظيمة وبعض الفكين ،، كان جسدا عظيما لجمل ،، ساق واحده تساوي بعرضها عرّض شاب مفتول العضلات ،، كان هذا الكائن حياة ملأى بالصراع على الحظوظ والحصص والتقاط المتع ،، كان حياة عابرة للصحاري ،، صال و جال وحمل الأحقاد والمتاع على حد سواء،، كان رسول حضارات ظن اهلها ان الكون رهن نزواتهم ،، وان الحياة طويلة طول خط الحرير من الصين الى روما.. هيكل عظمي كان عنفوانا للجسد في أقصى وأقسى وأقنى حالاته ، عاش خوفا واصطلى بالهموم و الامنيات،،تلقى الهزائم وعايش الظلم وحظي بالرفاق ثم مني بالعزلة ،،امتلأ عنفوانا ثم خر بين مرضٍ وكِبَر ولم يبق شيء من حق الاحتكام الى الجسد ،، اندثرت اثار كل ذاك الزحام والمحفل قد انفض برمته ،،، 

اقتربت من تلك العظام أكثر فأكثر ،، هبت نسمةٌ جاءت من ضلعٍ ترابي قريب ،، أثارت في وجهي حفنة رمل واسمع في صدري ضميرا يفيق ويلهج بمقولة غدت كالآية الكونية.. كالحل للمعادلة ،،، (هذا الوقت سوف يمضي )،، سمعتها قبل كثيرا ورددتها اكثر لكن لم اقف مثل هذه اللحظة على عمق المعنى 

ما أصعب ارتهان الروح واختزالها في إطار الجسد ،، روح تتعذب بين الارتهان للمواقف و مافيها من الاحقاد والضغائن والترقب والتمني والحسرات والعتب والتشفي و ندب الحظ وكسر الخواطر والهجر ،، والتلهف لنيل المآرب والتملق ونفاق الصداقات واهتبال ساعات الغدر والغرور بالنفس ،،وطلب رضا الناس وخطب ود الجماهير والجري وراء نصف الدرهم وربع الدينار وجناح البعوضة ،،، كان بعض ذلك او غالبه في عمر جسد جبار لسفينة الصحراء ،، بار الجسد  ،، غارت الهموم واضمحلت النزوات،، الروح أقدس من أن تكون صورة أحادية اللون داخل اطار مزركش خاوٍ هو الجسد ،، الذين أعطوا الحياة المادية ذروتها كانت أرواحهم تتوسلهم ان تتنفس شيئا من بساطة الحياة ،، لو نزراً قليلا من سعادة التخلي عن حيازة الدنيا ،، هيه ما أبأس الدنيا على من يخدمها و أقساها على من يطلبها .. حقيقة من العبيد في مراكب أغنياء و أسارى يقعدون على عروش الأوصياء ،، حضارة أقامت الجسد حاكما مستبدا يهضم ويقضم أطراف الروح شيئا فشيئا فتنزوي في أغوار سحيقة وتبدأ في الاحتضار … يوم يقتل الجسد نفسه بقسوة ،، يوم ان يشقى ويبكي ويصرخ دون سبب ،، يوم ان يحمل أثقاله غلا وحقدا واقتتالا على حظوظه من النزوات المتجددة في حضارة جردت نفسها من اتصال الروح ،، حضارة معقدة أعطتنا كل شيء للجسد وسلبت الروح نعيم البساطة والكفاف والإحسان للنفس بتهذيبها على التخفف من إصر الغرائز والنظر الى بصمات الانسان التي سيورثها بعد فناءه للكائنين من وراءه ،، الحياة لاتستحق حجم الصدام الغرائزي الذي نعيشه ولا يليق بأنفس تملك العقل المتدبر ان ينتهي بها سلّم الحاجات عند راحة الجسد على حساب تعب الروح ..

حقا هذا الوقت سيمضي فعلامَ نحن محبوسون داخل أجسادنا.. إن غاية الأرواح أن نتحرر

 أرواحنا تئن وعلينا أن نصغي لتوسلاتها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: